سهيلة بن حسين حرم حماد: “إعادة النظر في سياسة القطيع والنّقل والاجترار من دون إعمال للعقل في القصّة القصيرة (ولادتان)” للقاص العراقي ثائر البياتي.

النصّ

  (ولادتان) 
  وما زلتُ بعدَ هذا العمرِ مُوقِناً بأنني وُلدْتُ في “بابِ الشيخِ” قبلَ أن أُولدَ في “تلِّ محمد”، فأنا أعرفُ ذلك الزقاقَ الحاضنَ لساكنيهِ مثل أمٍّ حنونٍ بساقيتِهِ الضّيّقةِ الممتدةِ من أوّلِهِ إلى آخرِهِ وشَناشيلِهِ المتقابلةِ المتقاربةِ إلا من فسحةٍ تنثالُ منها أشعةُ الشمسِ وقطراتُ المطر، وأعرفُ برودةَ (الفَرْشي) و(الكَرْويتة) التي يُقيلُ عليها أبي والزاويةَ التي تتربعُ فيها أمي لتُعّدَّ (الكُبَّة) أو تلفَّ (الدُّولْمَة)، وأعرفُ النخلةَ المنتصبةَ وسطَ الحوش، والدّجاجةَ الحمراءَ والبيضاءَ والديكَ زاهي الألوانِ في القنِّ الترابيّ، وأعرفُ ما كان يفعلُهُ أخي الأوسطُ على سطحِ بيتِنا حين تصعدُ جارتُنا الحلوةُ إلى سطحِ بيتِها، وأحفظُ حكاياتِ الشقاواتِ و( الچَرْخَچِيّة) و(الطَّنْطَلَ) اللّابدَ في الزوايا المظلمةِ حتى إنني حين يحكي لنا أبي إحدى حكاياتِهِ الطريفةَ أو مغامراتِهِ المثيرةَ؛ أهزُّ رأسي مؤيِّداً وأقول:”نعم يا أبي، صحيحٌ يا أبي” فيضحكُ الجميعُ، ويضمُّني أبي إلى صدرِهِ ويربِّتُ برفقٍ على ظهري، وفي جلساتِ السمرِ حين يقلّبون ألبومَ صورِ الأبيضِ والأسود؛ أشيرُ بسبابتي إلى نفسي وأقول: ” وهذا أنا” فيضجُّون، ويمازحونني حتى تدمعَ عينايَ من الضحك، لكني لم أفهم ما الذي كان يعنيه أخي بقوله: “لهذا الولدِ خيالٌ بلا حدود”.

  وبالرغم من يقيني بأنني وُلدتُ في باب الشيخِ قبل أن أُولدَ في تلِّ محمد بسنواتٍ طوال؛ إلا أنني لم أستطعْ إقناعَ أحدٍ بذلك. 

مع الوقت، بدأ قلقُ أبي يتصاعدُ، ولم يعد يحكي لنا حكاياتِهِ إلا قليلاً، ثم سكتَ نهائياً حتى أنه ذات مرةٍ أمسكَ برأسي بين كفيْهِ الدافئتين، وبعينينِ حزينتين قال: “لا تفعل هذا بي يا ولدي، لا أحتملُ أن أرى أحدَكم مريضاً هكذا، وليته كان ظاهراً لعالجتُهُ بروحي، وياليته كان جرحاً لضمّدتُهُ بقلبي”، ولم تكتفِ أمي بالدعاء، فعلّقتْ على صدرِ دِشْداشَتي من الداخلِ حجاباً لطردِ الجن، وكانت تدور حولي بمبخرتِها سبعاً كلَّ غروبٍ وهي تُبسملُ وتقرأُ آياتٍ من القرآن. كنت كلما توسّدتُ رجلَ أمي وأخبرتُها بأنني كنتُ هناك؛ تمسحُ على رأسي بلطفٍ وتجيبُ بصوتٍ متهدِّجٍ:”نعم يا حبيبي “، وتسقطُ قطراتٌ من دموعِها الدافئةِ على وجهي، ويعتدلُ أبي في جلستِهِ، يمصُّ سيجارتَهُ نافثاً دخانَها بقوةٍ وهو يحوقلُ ويردّدُ:” رحمتك يا إلهي”، لكن القلقَ والخوفَ لم يظهرا على إخوتي فكان أحدهم يصطحبُني معه إلى سينما (البيضاء) القريبةِ في بداية بغدادَ الجديدة، والثاني يشتري لي (النَّسْتْلَةَ) التي أحبُّها، والثالثُ يظلُّ يلاعبُني فيدورُ خلفي في الحجرةِ متوعّداً إن هو أمسكَ بي أن يدغدغَني ويجعلَني أضحكُ حتى اليومِ التالي.

  بعد بضعةِ شهورٍ، بدأتُ أخافُ على أمي وأبي فسكتُّ ولم أعد أذكرُ الأمرَ أبداً، وعندما يقرّبون صورةً بالأبيضِ والأسودِ مني ويسألونَني من في الصورة ؟ أذكرُ أسماءَهم واحداً واحداً مشيراً بسبابتي إليهم دون الإشارةِ إلى نفسي. كنتُ أعلمُ أنني بذلك، أعيد الراحةَ إلى قلبِ أبي والفرحةَ إلى قلبِ أمي، لكن يقيني بأنني وُلدتُ في بابِ الشيخِ قبل أن أولد في تل محمد بسنواتٍ طوالٍ لم يتزعزعْ أبداً، وبقيتُ ألوبُ منتظراً فرصةً ملائمةً، فقد كان سكوتي وكبتُ يقيني يثقلان صدري. فرصةٌ واحدةٌ أتيحت لي، فرصةٌ واحدةٌ لم تتكررْ بعدها أبداً، انتهزْتُها فارتاحَ قلبي، حين توسّدتُ ذات ليلةٍ ذراعَ أخي الكبير لننامَ فأخبرتُهُ بأنني كنتُ هناك وسألتُهُ بصوتٍ خفيض: “لا تصدّقُني؟” فضحكَ ونكشَ شعري ممازحاً وأجابني بصوتٍ خفيض: “لو كلُّ الناس كذّبوك… أنا أصدّقُك”. ليلتَها، نمتُ هانئاً ملءَ جفوني وكأنني لم أنمْ قبل تلك الليلةِ أبداً …

 (القراءة):

  نص استجاب لمعظم مقوّمات القصة القصيرة حيث اعتنى القاص ثائر البياتي بمجمل قواعدها اعتنى بوحدة الحدث وبمنطقية العلاقة بين السبب والنتيجة الذي خدمه التشويق في مسار الحبكة ذلك أنه التزم في بناء قصته على أسس متفق عليها من أهل الذكر من ذلك حسن تخمّر فكرته ممّا سهل عليه ضخها في قالب على مقاس موضوعه لم يهمل الزّمان ولا المكان أحسن توظيف الحوار في لغة سلسةأنطق عبرها الزّمان وحرّك الوجد والوجدانودغدغ الأنف برائحة الطعام والأمكنة وهذب الذوق….

الموضوع:

  طرح ظاهرة قد تبدو غريبة غير أننا لا نستطيع إنكارها، وهي ما زالت موضوع بحث المختصين، حيث أن الإنسان قد يعيش الحدث أكثر من مرّة، ولكن حسب رأيي ما يحسب للكاتب هي تلك المقدرة على التدرّج في الطّرح والعرض في اتساق وانسجام المعنى والمبنى بشكل أقحمنا معه في الموضوع مع اختيار الملفوظ في استرسال جميل مع شيء من الإسهاب والتّكرار ظنا منه لترسيخ الفكرة، كان بإمكانه تفاديه لأن القصة القصيرة لا تحتمل الشّرح والتّحليل وأبداء وجهات النّظر، إلا أنّه نجح في شدّ القارئ وجذبه إلى دنياه إلى درجة أنّ كلّ منا قد استرجع حادثة أو أكثر عاشها قرأها أو سمع عنها، وهذا يحسب له بأن جعلنا نصدّقه وهذا دليل على إتقانه لسبك الحبكة، ونجاحه في التأثير على القارئ وتشويقه مع رجّه وحمله على إعمال العقل والتأمل في المعروض للتساؤل عن الغرض من الحكي أهو فعلا تلك المعايشة الحقيقية أو الافتراضية للحدث أو الحلم به، أم أن الرؤية أعمق وأبعد من ذلك؟..

أهمية دور اللغة في النص:

  على المستوى اللغوي نراه أقحم بعض المصطلحات الخاصة بفن الطبخ التي تدخل في باب العادات والتقاليد التي ترسّخ موروثا ثقافيا وهوية لتأصيل كيان شعب وحضارة لحفظه في نص يعمل عمل الذّاكرة الجماعية، وطّده بجغرافية المكان بحيث ذكر لنا حيّين شعبيين بالعراق لمزيد التأصيل ولربطها بموروث ثقافي شعبي إنساني عرّفه الإنسان منذ قديم الزّمان ألا هو فنّ الحكي وربطه برموز لها علاقة بالبيئة وبرمزية جغرافية الإنسان وقد عمل فنّ الحكي من خلال الخرافة والملحمة منذ القديم منذ الخط المسماري الفرعوني وكذلك القص القرآني والحضارة السومرية على بناء الإنسان والتعريف بنمط العيش والتّفكير وبدرجة تطوره ما يعيقه وما يميزه وبدرجة فطنته.

 توظيف الرّمز اللونين الأبيض والأسود للمقاربة بين الأمس واليوم وبلوغ الرؤية:

  من خلال هاته القصة القصيرة استطعنا أن نعلم ونقارب بين نمط عيش أسرة وتطوّرها عبر الزّمن وتطوّر تكنلوجيا فنّ الصّورة على سبيل المثال، التي كانت في ما مضى بالأبيض والأسود، وانعكاس هذين اللونين على فنّ التّعامل، من ذلك ردّة الفعل والتّعامل مع الظّواهر، كانت وفق خطّين متوازيين، إمّا الرّفض أو القبول، والرّفض يقابله خوف من المجهول، من القادم فيتهيؤون له بالتّمائم والتّعزيم وبالخرافات وبالبخور والحوقلة والبسملة، قد تصل إلى الشّعوذة استنجادا بقوى غيبية علّها بذلك تلغي عمل الجان، أو مفعول السّحر لعرقلة أيّة ظاهرة سلبيّة حسب رأيهم ما لم يدركوا بعد أبعادها و حقيقة ماهيتها أملا في الحدّ من استفحالها والقضاء عليها… لاغين بذلك دور العلم… هذا النّمط من السّلوك هو سلوك جماعي قبلي موحّد تحكمه سياسة القطيع، التي ترفض الاختلاف، لأنه يدخل الارتباك على المتحكّم في القبيلة. فالسّلطة مركزية محوريّة ذكورية جوهرية أبوية لا تقبل أي تقاسم في السلطة كما لا تقبل بشراكة أنثوية فعلية بارزة؛ غير أن المقتفي لحركة نمو الحدث وتدرجه يستشعر ويتلمس بداية تغيير في الأفق واحتواء جديد لتغطية الحدث ومعالجته فالسينما في حد ذاتهرمز دليل لملفوظ صوتي ودلالة أيقونية مشهدية تختلف عن الصّورة في كونها تتحرّك، أي قطعت مع السّكون والجمود قطعت مع الجماد والتمثال، وبذلك أصبح الحراك والمقاومة سمة وعنوانا لكل تطوّر وبالتّالي هلّت بشائر التّغيير والتبشير بقادم وبغد أفضل لإيجاد واقع أفضل يتعايش فيه السّوي والمختلف في الجنس واللّون والصوت والصورة والمعتقد والسلوك والتفكير وصاحب الخيال الواسع والمحدود بشكل يحترم فيه الكبير والصغير على حدّ السواء بدون تمييز هذا على ذاك ليستطيب فيه العيش والهناء والنوم كما حصل للصغير الذي نام في حضن أخيه مستمتعا.

الخلاصة مشفوعة بالربط مع العنوان ومع جغرافية الأمكنة:

  لما في هذا السّخام من زخم هائل من تغيير الملامح الذي يهدف إلى السطو على المعالم لطمس الهوية؛ وبناء على ما سبق ذكره وربطا مع العنوان (ولادتان) وما وفره الأستاذ إسماعيل الرجب يتبيّن لنا أن: “تل محمد (بنايا): منطقة سكنية سُميت بهذا الاسم لوجود تل عُثر عليه قريبا منها وفيه آثار حضارية يعود تاريخها الى العصر الأكدي وتبعد مسافة 12كم غرب نهر ديالى والمنطقة السكنية هي بغداد الجديدة. وباب الشيخ منطقة سكنية سُميت بهذا الإسم نسبة إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني. وتقع وسط بغداد”.
  وهكذا يتضح لنا بجلاء أن سبب توظيف الكاتب لهذين الحيين لم يكن اعتباطيا بل ربما لكونهما رمزين من رموز الدلالة التي تقوم عليها الولادتان، بمعنى أن الولادة الثانية ما هي إلا ولادة للوعي والإدراك لدى البطل؛ فكلاهما أيقونتان دلاليتان تدعمان رؤية التّغيير التي تقطع مع القديم الذي يعتمد النّقل والاجترار من دون إعمال للعقل ودعم لكل مختلف جديد واحتضانه مع مواصلة الحفر والتنقيب، فلا كنوز خارج مركّب العقل والعلم والتّجريب مع ضرورة تفنيد كل منقول ضعيف لا يقبله العقل والمنطق في عصر العلوم…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سهيلة بن حسين حرم حماد
الزهراء تونس في 30/09/2021

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s