مقاربات في أيديولوجيا السرد.. رواية حاموت للروائية وفاء عبد الرزاق قراءة إنعام كمونة.

 مقدمة:
  بمنطق ايديولوجي الأسلوب يتبناه الراوي لتعريف القارئ بقصد رؤياه عبر امكانية واتقان لغته برسم فكرة خيالية تمزج مديات معرفته وإدراك فراسته للواقع فيضع خريطة معالم السرد بتسلسل الحدث من بذرة الإهداء لخاتمة الرواية وما بينهما يتوج بموضوع ما أو رسالة أو خطاب توجه لذهن القارئ، يستقرئها بشغف أو يتركها على أسطر الرؤى تنتظر، ومن خلال السرد نستنطق ظواهر فلسفته التقنية باحتواء الموضوع بدلالة مغاليق إيحاء سرد الحالة، أو وصف الحدث بمستويات المعنى في مدارات النص، وذلك يخلق جدلية تواصل بين المرسل والمرسل إليه…
  ما بين رؤانا سطور رواية حاموت للروائية وفاء عبد الرزاق نستنطقها لجدوى البحث وطرق التحليل لمنافذ التأويل بأهمية الموضوع وتفاصيل المضمون وقصد الفكرة، نستقرئ أسلوب الراوية ليلى من تشكيلها الإيديولوجي العام بفضاء انثروبولوجي وعناصرها الأخرى، الدرامية التعبير وسيميائية منظومة سردية تؤرخها الراوية على مدى كوني بمستوى الحدث التاريخي لما تحمله الرسالة من حقائق وافية صادقة الأحاسيس كتبت بقيم ادبية وحس نفسي فلسفي من عمق روافد إنسانية مستمدة رؤى الحدث من تقلبات الكون عامة واشكالات الوجود خاصة بتصعيد دلالي للتحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية، بأبعاد رمزية من منطق الواقع لمخيلة الذات بنسج علاماتي لتوليد خطاب مؤثر…
  الإهداء:
  اختلفت الروايات الحديثة باختلاف حركة الزمن والتغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية وحتى طبيعة الحياة ومتطلبات الإنسان لذا نلاحظ ان للإهداء اهمية لا تقل عن باقي عناصر الرواية، وقد عُد عنصر من عناصر الروايات الحديثة، لما له من إيجاز مكثف ممهد لتواصل القارئ، ومن خلال عدة روايات معاصرة تميزت طبيعة الإهداء الفلسفية بسيمائيته الدالة باختلاف حركة الحياة عما استطلعنا سابقا من هارمونية الإيحاء بوحدات السرد، قد يعري جزء من المخبوء أو يعلن ما ضمر من مضمون الفكرة، لتفتح آفاق رؤى القارئ، فيكمن التشوق لتحليل سيميائية الاهداء ويلتهم النص …
– نعم؟
   يبدو من الاستفهام (نعم) ايجاز مكثف تعني استجابة وتأكيد، ولنبحث عن ماذا تؤكد، نلاحظ مفردة نعم تلاحقها علامة الاستفهام؟، علامة لغوية نصية بأسلوب مضمر المعنى ثم تكمل الإجابة، فهل يفاجئنا الاهداء بكلمة نعم، استجابة لما يدور في ذهن الراوية أم لتجترح حسية الرؤى في تصورات القارئ باستغراب يطوف في فلك التساؤل؟ …
   رغم إن مفردة “نعم” تعني الاستجابة والقبول وهي عكس مفردة “لا” ومعناها، ولكن هنا معجمية “نعم” لها حركة دلالية تنشأ بتضاد مدلولها، تؤكده الروائية بحوار روحي مع القارئ بحِدَة النكران، فتشيد من وعي الضمير مونولوج داخلي يعصف اعتراض نفسي وانتفاض سيكولوجي من اجتراح الروح فتبادر بكلمة نعم وكأنها تقرأ أفكاره المعارضة ..!!، فتجيبه بقوة يقين شاهد عيان للحدث، متعايش معه ومنصهرة بكيان تفاصيله، فتجيب بنبرة تبرق لبؤرة دلالة: عليك أيها القارئ، والسامع، والرائي، أن تصدق تلك المصائب والعذابات وطرق الموت بأنواعه المتعددة وأشكاله المريعة..!!، إن حقيقة مدينة حاموت ميدان حرب مرئي ولا مرئي مجهول العدو، واقعي الحدث بأثبات مأساة براهينها الاعلامية والمسكوت عنها، لذا مفردة “نعم” المتسعة الدلالات والممتدة من جمهورية الموت المريب يستشعرها ذهن القارئ طاقة استثمار واستفزاز لجميع الحواس بثورة نفسية عنيفة الأثر، لنتابع ما تقوله مسترسلة:
“أهدي عملي هذا إليها، تلك العلامة التي لم تصل لذاتها كي أرجو منها الأخذ بيدي والوصول إلى الحقيقة.”
   لما تهدي الروائية ليلى عملها لتلك العلامة المعوجة. وهي تتهمها بعدم معرفة اعماق ذاتها؟ بل والعارفة بكيانها المرمز الدلالات للانحرافات الفكرية والمزاجات النفسية باختلافات اجتماعية وثقافية وكذلك التقوس يومئ لعلامة انتكاسات فوضوية ودلالات أخرى للإحتماء من عواصف العداوات وتشنجات فكرية متقلبة لتيارات القتل …
   تومئ الروائية بمرونة دلالية عميقه تشحذ رؤى فكرية مختلفة لا تعد لقارئ فطن منها دلالات تأويلية عن كينونة ذات الفكر البشري بممارسات لا يستوعبها عقل واعي وضمير متقد، ويقين قلقها المفعم بالألم لسوف لا تداوي جروح سيل الأسئلة وتبقى باحثة عن الحقيقة، وزاوية الصواب مثقلة بالخيبات ما بين سيرورة الولادة والفناء أكذوبة وجود بدلالة تشبيه راقية جدا لهيئة علامة الاستفهام ومقاربتها الأنسية…؟
  وتعاود الروائية تهذيب السؤال بجرح التمني بهذيان الحوار فتعيب انحنائها من علل الروح وشظايا المصاب باستفسار لا يمل الانتظار، فهل يشفي السؤال ضنين التشظي في الغياب المحتوم بألم الفراق وتكمل:
ما زلت أتساءل أيتها الملتوية على نفسك:
لما يلتوي الجسد على نفسه هل يخفي أفكاره السلبية بلا حجة وتبرير، أم يكتم ضمير افكاره في عتمة الهذيان ..؟؟ نستبصر رؤى إنسانية باحالات مختزلة لدلالات تأويلية عديدة منها: الفكر المتطرف، عدم تقبل فكر الآخر، رفض التسامح، والتعايش بسلام انساني مع كل الأطياف.. ثم تخاطبها باحتمالية الدلالة لولادة وجود …
“لو عدَّلتِ من ذاتك واستقمتِ، هل سنولَدُ من انبثاق النار، أم من التراب؟”
  يكون السؤال عقيم الإجابة بدلالة “لو”، ويكون الخيال اسهل خيار من واقع يجترنا لجحيم لا مخرج منه، وبدلالة التمني تستدرك ليلى “لو عدَّلتِ من ذاتك واستقمتِ”، ما يجعل القارئ يتساءل هل تستقيم قامتها الفكرية..؟، أنسنة التشبيه الاستعاري علامة باذخة الصورة، عميقة الإيحاء، بديع المعنى يفتح أبواب الدلالات للقارئ النهم، ألا مفر من الموت حين ولادة؟، فأبواب العمر دائرة محكمة الأغلاق مهما نطوف بنوافذ الزمان نعود لنفس تاريخ الولادة بموت…
   السؤال مخاض توالد في زحام قلق الوجود، تكتنفه إيديولوجية الرؤى للروائية ليلى باحثة عن سر اضطرام فكر الأنسان بقسوة العنف فتقول: “هل سنولَدُ من انبثاق النار، أم من التراب؟”، فتتيح للقارئ دلالة منولوجست هذيان عن عقيدة مفاهيم الإرهاب والقتل السائد، اليس هناك محصلة مصير لوجود حيوي يقنن دوافع العنف؟، وأمنية الوطن الا حلم حرية يراوده قتلا؟، بقدر استحواذ الآخر على السلطة قسرا، ومن أجل ثروات ممكن أن ينالها بلا قطرة دم ..!!
   وتبقى ليلى عليلة السؤال المضرج بسيكولوجية الأمل الخائب تدور برأس السؤال وذات الطواف عن محرقة الموت في مدينة حاموت:
ها أنا ذا أرسمكِ مرة أخرى وأقول ما الذي سيحصل؟.
  فهل تفي استقامة علامة الاستفهام بقناعة الجواب..؟ فلولا الأعوجاج لبطل معنى الاستفهام وتنحى السؤال، دلالة بليغة المعنى مغايرة الإيحاء، تشبيه استعاري بارع عن انحراف فكر الإنسان للكره والقتل والانتقام وكل موبقات الحياة وغيرها من تعقيدات نفسية، بسلوك معادي للإنسانية وتصرف غير سوي إحالة تأويلية عميق الدلالة ببيان مكثف جدا رائع بكيد الحروب ومصائد السلام المزيف استحدثه الإنسان ضده …
ولنرى ما الذي يحصل في عتبات الرواية تتهادى تفاصيل الأجوبة فما أروعه من اهداء يذوب شوق المعرفة الجواب ونحن معه….
 العنوان:
  العنوان صيغة تأسيسية لدلالات النص ومفتاح أولى التفاعل لمشاعر القارئ وشد أواصر الدهشة يصوغها المبدع لإرباك القارئ كما يعبر عنه امبرتو إيكو (أن يشوش الأفكار وليس أن يوحدها) وتلك معادلة صعبة لخلق تواصل بقوة تأثير السرد، وجمال صياغة الرؤى بمنظومة دلالات الموضوع فلا تكن الا من مبدع، ففي العنوان شفرة تقديس مهيبة تكمن في اللاشعور أثر انعكاسات واقع وجودي يتشظى من عمق مناخ انثروبولوجي تستدرجه الروائية إيديولوجية مفاهيم اجتماعية وثقافية وعقائدية وحتى سياسية محمولة من ماضي سحيق لحاضر موبوء برفض طرق التسامح…
  ونعود نستقرئ رمز غير نمطي وتركيب غير كلاسيكي غرائبي التشكيل هجيني النسجة، متضاد الدلالة ببيان اللغة، “حاموت” امتزاج مكين بعلامة اسلوبية مقتدرة، وأداة توحي التجديد بأسلوب معاصر، قد تقنع القارئ الفطن لما يشي تركيب العنوان أو يستفزه فيبعثه للمتابعة لاكتشاف المنحى الغامض حين قراءة ملتذ بأسلوب الراوي، لذا ممكن نطلق عليه سمة مصطلح من قاموس الروائية ليلى بتفكر عرفاني، إذ يتراءى من سيميائية اسطورة القلق الوجودي الذي يشغل فكر الأنسان، وجدلية رمز أنثروبولوجي متعدد التأويل ضمن السرد الموضوعي وخارجه…
  تبدو من معجمية حاموت براعة الروائية في تزاوج معجميين توالد منها مصطلح فني مُقنِع التعبير بحداثة لغة رمزية -إيديولوجية المعنى، وبغض النظر عن هارمونية اختزال بعض حروف مفردة حياة وانتقاء الحاء والألف بنبرة صوت ايحائية لحيوية الحياة بدلالة تأويلية عن عمر معين للإنسان، وترك حرفين لعدم استمرار الحياة بفناء قائم، واختيار مرتكز دلالة معجمية الموت كاملة لإيحاء الكثرة وتعدد سبل الموت الرهيب والمفزع كما يشير له موضوع الرواية…
  وهذا المصطلح الهجيني الحروف بتشكيله الأنثروبولوجي الصوفي الرائع يحمل في طياته لغز لا متناهي من حدث الواقع المشحون بالخيال الحسي والفلسفة الوجودية، فالاستبصار والاستجلاء عن كينونة الموت ومغزى الحياة مكنون واسع النقاش لقضايا انسانية كونية لا نملك صراحة التأويل عنها بوضوح تام، ولا نتمكن بلورة قناعة كافية لتفسيرها الغامض بل يبقى فتات الجوهر ملغز المعنى بهول تعدد التفسير والتأويل فلا اثبات نهائي عليه بنص قرآني أو عقيدة ما، ويبقى البحث عن ماهية الخلود مجهولية السبل، تذكرنا بأسطورة كلكامش وسفر المعاناة للبحث عن عشبة الخلود فهل عثر عليها حقا؟، إحالة دلالية للرفض الذهني لمعنى الموت رغم ثبات العقائد عليه والاستسلام له قدرا في هذا الكون …
  كما أن جدلية رمز حاموت غائر في محور غيبي بدلائل ميتافيزيقية تتيح للقارئ الغور في بدائل دلالية متعددة التأويل للبحث عن أسرار الكون وفي اي مكان الحدث نستشعره حاموت؟ هو بقعة اللاوجود، ومن التوتر التشخيصي لميثولوجيا العنوان نتساءل، هل ينتهي الوجود ما بعد الموت..؟، من دلائل نستطلعها فيزيائية التوازي عن خلود الروح وتحلل الجسد، يشدنا غموض المعرفة الكونية البيولوجية للحياة الأخرى وبعض من السحر باعتقاد التناسخ بعوالم جديدة حبا بالخلود، وهناك أساطير كثيرة ومعتقدات تراثية أو عقائدية قد يُقنع تفسيرها ببينة ما أو ترفض الا وهو دلالة الصراع الإنساني السائد عن البقاء والفناء…
   لنتابع متن الرواية / وتمظهرت بأشكال عدة من تمازج مقاربات منها :
  نلاحظ ايديولوجية تشكيل فني الأسلوب سلس الانسياب بروحية الأنا وفلسفة بصيرة الروائية لسيرة وطن أدمنه الإرهاب وذبحه سيف الشريعة المزيفة واغتصب ترابه الأقربون وانتهكت حرمات براعم دمه أجناس شتى فتشظى أشلاء بلا قبور بلا إثبات هوية، فطفح بروح عارف يكابد أناه منولوج حواري بما يدور حوله ويختلس السؤال تلو السؤال بحلم ويقظة وخيال، أيصل صراخ الحقيقة لوجه العالم المتغاض مؤطر رسالة الخطاب الذاتي بوجع المعاناة أم تبقى حاموت رسالة جحيم ممزقة خلف الظلام..؟…
  وسيميائية الرواية تتشبث بتكرار اسئلة فكرية وجودية بفهم واعي برؤى الراوية تبث لواعج رسالتها ب “هل، متى، ماذا، ..الخ”، على لسان السارد العارف، تتلاحق في المتن الروائي بتزاحم متوالي باستحضار صوفي واستنطاق ميتافيزيقي عقيم، عصي على التصورات الذهنية، صعب التفسير على منهجية فكر الأنسان، ولربما على عقل مجرد من الواقع أو مفعم بالخيال للبحث عن أجوبة لأسباب فوضى واقع الحدث بمنطق كامن الاستنتاج أو بديهي الأثر بمقاييس كونية غير متوقعة يستوعبه الفهم الذاتي بحدود المعقول ..!!، لذا دينامية الأسئلة وتراكمها الإنثيالي بقوة تدفق هي أيديولوجية تشكيل السرد وانسيابه باعتماد الفكرة، هو تهيئة معمارية شحن الرؤى التي تفتح شهية القارئ لمتابعة شيقة ربما العثور على اجابات شافية… بعض ما تصفه الراوية لمدينة حاموت:
(…. حاموت.. مدينة الظلام والكابوس، كأنها غيمة سوداء تحاصر سماء أبنائها وتصهرهم واحداً تلو الآخر، ما هي إلا صدى أسلحة، شكوى مؤلمة، صوت العتمة الخافت والحزن الوقور.)
  من مشهدية المكان لحقبة زمنية مستمرة، نرى دقة وصف طبوغرافية المدينة التاريخية حراك استعذب صور الموت المرعب بوحشية سافرة، فرغم قتامة دلالة الاختناق بالحزن الصامت إلا أنها تصفه بحزن وقور..!!، مما يسترعي انتباه القارئ بتساؤل فضول تأثره النفسي والحسي عن ثيمة حزن وقور، هل هناك حزن غير وقور.؟ولما؟ تساؤل يضني الروح بألم الفراق خافت الإجابة، قد يكون بلاغة لغة الحزن العميق مكبوت الأحاسيس في ذاكرة الفقد مرارة القلب بسلب الحياة عنوة وخوفا من ملاحقة شبح الموت “عزيز”، وبأساليب شتى لشريعة لا انسانية، دلالة تأويلية عمق الوجع معايشة الغاب بسلطة الأقوى…
  اشتغلت الروائية على الشخصيات الأساسية للرواية إيديولوجية سرد مرتكزة على استحضار وجع الذات استهلال باسم السارد “محمد” تشي بوجدان واعي وفكر متحضر متفاعل مع وجع الإنسانية المتمثلة بمدينة حاموت (عالم الأرض)، وبدلالة ظاهرية لرمز الاسم ليوحي لغالبية مجتمع عربي ومنهم في المنفى لبقية العالم، وباطن دلالي للسلام الإنساني واليقين العقائدي عامة، فبقعة حاموت كونية الدلالة خصوصية المنطق …
   وبآلية رؤى مقصودة لحشد بؤرة الرواية بالسؤال والاستفسار وتفعيل المؤثر المعرفي للقارئ منحت شخصية محمد دلالة رمزية أخرى هي سمة العارف ليفضي استفسار السرد على لسان الهامه الروحي، وتوحي الدلالة بتجاوز ذاتها للواقع الكوني بمشهدية لعارف الوقائع، نلاحظ أيديولوجية سرد بارعة الرؤى بخبرة وإتقان ذكي، فنستقرأ من هذيان العارف محمد استفساراته الفكرية وتساؤلاته الصوفية في اليقظة والحلم والخيال سعي باحث عن إجابة مقنعة وحقائق جوهرية لسبب الموت بعنف همجي وشرعنة الأمداد من بني جنس البشر…
  الاستعارة المادية بأنسنة شبح الموت وبناء شخصيته من مخيال الروائية بمعنوية الأحاسيس البشرية المتناقضة من قسوة مشاعر لحشد احاسيس وتعاطف مع الموتى، مع أنه لم يتوقف عن ترك بصمة الموت بختم ابهامه وخطف الأرواح، تأويل إشاراتي لميثولوجيا الروح المتجسدة في (رؤى الحُلم، الإلهام الروحي، أفق الخيال) …
  إطلاق صوت الروائية الفكري الواعي عبر السارد محمد رسالة انسانية محض واقع متجذر توحي للقارئ أيديولوجية سريرة صوفية لجدلية مقاربة ما بين الحقيقة والخيال بلهفة صوفية عن سر تضاد الوجود بكنه الحياة والموت انغماس روحي وفلسفة حسية تعتمد الإثارة وبث روح الدهشة والفجأة كما في اشكالية (إبهام الشبح) رسالة الموت ومن ثم تتصاعد عموديا بنظم علامات وإشارات طرق الموت من احتراق أو دعس بسيارة أو مرض ووباء أو انفجار يتابعها القارئ على صفحات الرواية بترتيب الحدث…
– التوظيف الرمزي للأسماء
محمد= رمز لخاتم الأنبياء محمد (ص) دلالة السلام بين كل الطوائف والأديان السماوية وغير السماوية بتفاهم وتعاون انساني
العارف = دلالة سوسيولوجيا الضمير المصغي لفكره الواعي
عزيز = دلالة هيمنة القدر وانثروبولوجيا المصير
اشرف ومكي وجابر = رموز عميقة الدلالة غائرة المعنى تحيلنا لأديولوجيا عقائدي تستفز القارئ بقصاص بشر القاتل بالقتل
خليل = دلالة السلطة الغاشمة المتعطشة للدماء، والقوة المستبدة لاغتصاب ثروات العالم ورسم المصير
  وكما نرى صوفية الرؤى في وصف مدينة الظلام والموت من متن الرواية المتعالقة بمحمولها الدلالي …(«حاموت» مجرد دعاء مهجور، أو ناي صامت يحترق بعاطفة جيَّاشة ويلتهب ) ثيمة نصية بتضاد اشاري عميق مختزل الاستعارة مرمز التشكيل بكيميائية موضوعية وفلسفة رؤى بوعي راسخ أن الابتعاد عن صيغة التعامل الإنساني نسيان أوامر الله بالمحبة والتعاطف، إحالة تأويلية الى ارض حاموت هلاك البشرية وميدان حرب على أي موقع في الكون…
  خاتمة:
  تنطلق الرواية من جدلية حوارية ثنائية البؤرة بتجسيد مشاهد بانوراما فكرية ساحرة الصور أنثروبولوجيا زمكانية الوجود، توقظ احتمالات دلالية متعددة الرؤى، باستقطاب طوبوغرافية ثنائية الوجود (الموت والحياة، الخلق والعدم، البقاء والفناء، الصراخ والسكوت، الشعور واللاشعور، الوعي واللاوعي، الحرب والسلام، الجهل والمعرفة، الإيمان والكفر، وغيرها…)، لذا حاموت دلالة الصراع العقائدي والتنازع السياسي والانتهاكات السلطوية والانحرافات الاجتماعية والركود الثقافي.. إلخ…
  نستقرئ رؤى مركبة من مناخات تراكمية استرجاعية الذاكرة وليدة الخيال ممزوجة بخزين حفريات الواقع، بتجارب انسانية حقيقية التلامس، تتسم برؤى صادقة الأحاسيس موجوعة الروح، تثري التواصل بين المبدع والمتلقي بمتابعة تفاصيل الرواية متجذرة بدلالات غزيرة الإيحاء ووشاية التفسير، معتمدة أسلوب التساؤل بيان لغة لشحذ الإلهام بمنهجية النص المفتوح بتعدد التأويل، يذكر دكتور عزيز حسين علي الموسوي (ويٌرجَع بعضهم سبب الكتابة على وفق النص المفتوح الى الحراك الثقافي المعاصر وكونها سمة من سمات التحاور والتفاعل الثقافي الذي أنتج تقدما في الكتابة ببنيته الحرة المفارقة لكل فن أجناسي منظم يجري على أشكال الكتابة الأدبية المعروفة…)*، فالرواية تعبر عن الفكر المعاصر بحداثة الأسلوب، وظاهرة مختلفة السرد بسياقات حوارية الاستفهام بحراك داخلي عفوي ينطوي عن معطيات الواقع بإخفاق حضاري، نتيجة تغيرات الظروف القائمة لقمع الإنسانية من طغاة الحروب، بهيكلة حوارية حية تتجسد في وحدة الخاص والعام…
  بنية الرواية صياغة فنية رائعة متماسكة بمشهدية الأحداث مثيرة لذهن القارئ، لذا حاموت فسحة جمالية يتجول القارئ بالبحث والتمعن والإنصات لرؤى الراوية ليلى باستحقاق التوقف على كل فقرة من السرد، وتوافد التساؤلات الوجودية للتمتع بفلسفة ايديولوجية السرد وتركيبات لغة حساسة بميكانزم الرموز وتشكيلها الفكري، وجيولوجيا تماسك بحركية احداث مترابطة شيقة باذخة الجمال متدفقة الانسياب لا تخلو من انزياحات رائعة بحداثة السرد وتداخل الأجناس، واستعارات تخلق التأمل بمستويات سيميولوجية وهيكلية انساق لغة مغايرة للمألوف مدهشة الاختلاف بالتقاطات معاصرة واسقاطات مشهدية منتقاة من رؤى كونية متعددة، تستحق القراءة والتوقف على سطورها التشويقية…
بورك الإبداع الخيالي والتميز الروحي والتألق الفكري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من كتاب النص المفتوح في النقد العربي الحديث ص 235
 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s