مختار أمين في قراءة: (انتقاء اللفظ وحسن توظيفه في قصيدة “أمس كانت”) للشاعر: فتح الله المجدوب.

القراءة:
   مازال البعض يقول أن الشعر النثري ليس بشعر، ولقد كتبت مقدمة ديوان تراتيل قمر للشاعرة القديرة سعاد العتابي وبرهنت بعلم النقد أن هناك مواطن إبداعية يعجز عنها الشعر العربي القديم الفراهيدي يفوقه فيها الشعر النثري، ومنها حسن انتقاء الصورة الشعرية وبلاغتها، وخلق صورة حية راقصة أشد تأثيرا على النفس والمشاعر بثوبها الجديد على خيال المتلقي، وفي هذا الفارق قد برهن الشعر النثري علة خروجه من البحور العربية القديمة ليحصل على أكبر كنز من قاموس اللغة العربية الفصيحة بحرية وانتقاء..
  ولقد اجتهد شعراء النثر أمثالك بتوظيف كم هائل من الألفاظ المستحدثة وإجادة سبكها لغزل الدرر من البلاغة العربية في عقد ملائكي من أنقى الجواهر الثمينة..
  أي أن القصيدة النثرية تميزت بحسن استخدام اللفظ وتوظيفه في نظم مبهر خلق موسيقى المزاج والهوى، وهي أشد طربا للحس من الموسيقى الخارجية من الإلتزام بالقافية الجابرة التي تقع تحت طائلة مبحث محدود من ألفاظ اللغة، وأيضا من وزن البحر العربي اللازم الفارض، ولعل هذين الميزتين للشعر النثري فتحتا أفق الخيال عند القصيدة النثرية، وساهما إسهاما ملحوظا في إخفاق القصيدة الخليلية، وما عادت تأتي بجديد منشي وفق خيال شاعرها المحدود المجبور…
  فلننظر بالبرهان على انتقاء اللفظ وحسن توظيفه في قصيدتك القصيرة الوافية، وصورها الشعرية البلاغية الجديدة على الحس والخيال..
  نراك الشاعر يقول: “يومها نقشت على جذع قلبك” فنجد أن هذه الكلمات كونت صورة بلاغية جديدة على الذهن: “يومها- نقشت- جذع- قلبك” كلمات عادية جدا ينطقها البشر كل لحظة، ولكن الشاعر المبدع كيف له أن يجيد توظيفها لخلق صورة شعرية لها من الجمال ما يسحر الذهن، ويمط الخيال ويلقيه في جنة من الإلهام ليذوق حلاوة ليست على الأرض..
  فاستعمال البلاغة وحسن البيان في التشبيهات المكنية من الشاعر، عندما شبه بلور صدر حبيبته الناهد وهو ينظر إليه وقلبها النائم يخفق خلفه، وإن مسه بشفتيه، أو خدشه بإصبعه ذهابا وعودة، وكأنه شبه محبوبته الشاخصة أمامه بشجرة باسقة، وصدرها اللامع البلوري وكأنه جذع النخلة، ومغامرات شفتيه أو إصبعه عليه وكأنه يكتب وينقش على هذا الصدر مخترقا القلب.. كلمة أحبك..
  هذه صورة واحدة فقط.. ترى ماذا أحدثت في الخيال والنفس والحس لدى المتلقي؟ أتراه يمر عابرا عليها؟ لا أظن.. فلنرى:
  يقول شاعرنا المبدع: “ويشهد على ذلك العصفور
الذي كان يحسب الوقت”
  هنا براعة تصوير المكان بأجوائه الطبيعية، ومقدرة الشاعر تحوله خادما للحالة التي عليها الشاعر آن القصيدة، فعندما يكون هناك مكان خلوي به شجرة باسقة تتحلى بجذع نافر ظاهر، يكون هناك عصفور، وفراشة، ورياح، وسماء، ومطر، وفي هذه الصورة.. صورة العصفور.. دلالة على الترقب لجلال الحدث أن يتم في وقت خاطف غير ملحوظ من غفلة العيون، فجعل الشاعر العصفور يقوم بدور الرقيب الحارس.. جمالية حسية غير مباشرة تصل لذهن المتلقي أقرب من بناء المقطع بألفاظ مساعدة، ولكن حسن الانتقاء وقدرة التوظيف هي التي بنت الصورة بهذا المعنى الراقي..
“والفراشة التي وشوشتني
والريح الذي حمل الرسائل
والمطر الذي مَحَى
اعترافي لك”
  الفراشة تحوم.. كعادتها تزن، ربما تقف هنيهة على الأذن، موقف طبيعي في مكان طبيعي، ولكن الشاعر الحاذق نقله لنا بصورة بلاغية إمتاعية، وكأن كل من حوله في خلوته مع محبوبته حيّد المشهد لخدمة الحب، وخدمة الحالة التي يود أن يبثها الشاعر لدى المتلقي من خلال القصيدة، فجعل زن الفراشة حول أذنه وشوشة دليل على المحبة والموآنسة والمصادقة والرضا..
  أما الريح العاصف الذي يمارس طبيعته في المكان في تشبيه تشخيصي أنسنه الشاعر، وكأنه خادمه المنتظر حول المحبوب ومحبوبته، وكأنه رسول الغرام يبلغ رسائله، حتى جاء المطر الذي صوره ورمز له بالجهة الرقابية القبلية الرافضة لهذا الحب بهذا الشكل، أو العزول، فجاء يمحو الاعتراف بالحب..
  إلى هنا بلا تحيز بعلم نقدي صريح نقر ونعترف، أن القصيدة النثرية أوقع على الحس والخيال وتمام المصداقية من القصيدة الكلاسيكية على بحور الخليل ابن أحمد في زمن الحداثة، وأن فتح الله المجدوب شاعر لا يبارى، وأن قصيدته هذه فعلت في النفس أثرا أيما أثر من الجمال والذوق والحس كأدب حديث.
 (النص):
أمس كانت
ذكرى لقاءنا الأول
يومها نقشت على جذع قلبك
أحبك دائما في
ويشهد على ذلك العصفور
الذي كان يحسب الوقت
والفراشة التي وشوشتني
والريح الذي حمل الرسائل
والمطر الذي مَحَى
اعترافي لك
ـــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر فتح الله المجدوب 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s