دخان يذرف الدموع.. قصة قصيرة بقلم: فلاح العيساوي/ العراق.

 
  أنهار من الدموع تتسابق مع عجلات السيارات، لا أعرف الفارق بينهما، ولا أدري أيهما سيتوقف قبل الأخر، تكاد نفسي تختنق وأنا أتخيل لحظات الفراق المر مع جسد أبي المطروح في هذا التابوت الخشبي، لا أكاد أصدق أن ما تمر أمامي من مشاهد مؤلمة، أهي حقيقة أم مجرد كابوس عابر سيذهب بعد ارتجاف قلبي والاستيقاظ من النوم؟
  لكن متى ينتهي هذا الكابوس؟ لا أعلم.
  أعود إلى وعيي وألمس دموعي الهاطلة، أرمي بنفسي على جسد أبي، فأجد أن هذا الكابوس حقيقة لا أتمناها.
  وجدتني أضع يديّ على صدره وأهزه بقوة، ثم أضع رأسي فوق صدره عليّ أسمع صوت دقات قلبه تنبض من جديد.
  دخلت السيارات عبر بوابات كبيرة لم يسبق لي رؤية هذا المكان من قبل، ما كان أبي يصحبني إليه في حياته ولا أعرف السبب.
  لا أحصي أمامي عدد القبور، شواهد تختلف أشكالها، منها مرتفعة ومنها منخفضة ومنها تعلوها قباب خضر، أحدّث قلبي الذي يضج بالصراخ من الداخل؛ كيف ساترك أبي ينام تحت التراب؟
  أينما يقع نظري أشاهد صورة لشهيد، كيف لهذا المكان؛ ضم هؤلاء الشباب تحت ترابه؟
تسارعت الخطوات، وها أنا أقف عند حافة الهاوية، هنا انزلوا أبي في حفرة عميقة، كدت أفقد وعيي وأرمي بنفسي معه… كيف لي الاستمرار في هذه الحياة دونه؟
على صوت أمي وهي تناديني؛ تطايرت الذكريات وكأنها تراب قبر والدي الشهيد الذي نثرناه فوق قبره.
اقتربت مني وقالت:
  – وسام.. ألم تسمعني؟
  – سمعتك.
  – ماذا بك؟
  – لا شيء.
  – مستحيل… عندما تكون بهذا الشرود فأنا أعرف أنك مهموم بشيء ما، أخبرني ما بك؟
  – لا أريد أن أزيدك همّاً فوق همومك… لا شيء مهم عندي، التوك توك فيه عطل بسيط سأصلحه وأباشر العمل فيه.
  – هل تحتاج إلى مال؟
  – لا أحتاج عندي ما يكفيني.
  عندما اطمأنت علي، أسرعت إلى المطبخ، نظراتي تلاحقها ولساني يتمتم: كم أنت عظيمة يا أمي، منذ رحيل والدي قبل سنوات خمس في معركة تحرير الموصل، وأنتِ في جهاد مع الحياة في سبيل تربية الأبناء، جعلتِ من البيت ورشة للخياطة، استمر أخوتي وأخواتي بالدراسة، لكني رفضت الاستمرار، وفضلت تحمل المسؤولية لأني الابن الأكبر.
أخترت التوك توك… لا أعرف لماذا؟
ربما لأنه يشبه طائر حر بلا قيود، يطير حيثما يشاء، أو هذا ما ينم عن روحي وذاتي التي تعشق الحرية.
  عندما أنظر إلى حالي وحال أسرتي، بل حال أغلب العوائل في بلدي الغني، تضج بي التساؤلات وتضعني أمام مفترق طرق.
  على ماذا ضحى أبي بنفسه؟
  ما الذي جنيناه من تحرير أرض الوطن؟
  هل الوطن وخيراته لنا؟
  أي الأوطان التي تستحق منا تلك الأرواح؟
  كم تمنيت في هذه الأوقات الهروب إلى المجهول، من وطن يجود بنفسه عن أبنائه ويمنحهم الحياة والكرامة.
*****
  كأي شاب في هذا البلد، ما تزال فكرة الهجرة تراودني كأنها غانية ذات سحر لا يقاوم، فرص العمل والحياة والرفاهية، وبريق الدول المتقدمة يلمع في خيالي، لكن بماذا وأنى وكيف؟ تساؤلات تقض مشاعري العاجزة، والمعضلة الأكبر؛ لمن أترك أمي وأخوتي؟
  الأحلام أصبحت كوابيس لدى شباب هذا البلد، الكثير منهم باتت أحلامهم مثل الصور المعلقة فوق أعمدة الكهرباء، كصورة أبي المعلقة فوق العمود في بداية شارعنا المشوه بالأتربة والنفايات.
  إلى متى يبقى وطني أسيراً بيد الأحزاب؟
  متى يستعيد وطني مكانته بين الدول المتقدمة؟
  متى يأتي اليوم الذي لا يفكر فيه أبناء هذا الوطن بالهجرة؟
  صباح هذا اليوم انطلقت إلى عملي، أنقل الركاب من مكان إلى آخر، لا يختلف يومي عن يوم أمس، لكن حديث الناس لا ينفك عن ذكر تظاهرات اليوم، والكل يتأمل منها التغيير، وأرى أسراب الشباب يحملون العلم العراقي، وبعضهم يحمل لافتات تطالب بإسقاط الحكومة.
  أخذتني حماسة الشباب والروح التواقة إلى التغيير، عرفت أن التظاهرات السلمية أصبح مركزها الرئيس في ساحة التحرير وسط العاصمة، انطلقتُ أسابق الريح واصطحبت معي بعض المتظاهرين.
  عندما وصلت ركنت التوك توك، وانطلقت مع المسيرات الحاشدة اهتف بصوت عال، أطالب برحيل الفاسدين، وانشد للوطن.
  وصلنا إلى جسر الجمهورية وتوجهت حشود الشباب نحو المنطقة الخضراء -مقر الحكومة-، واجهتنا القوات الحكومية بسيل من الرصاص والقنابل المسيلة للدموع.
وسط الدخان وأصوات الرصاص والقنابل تهاوت أجساد الشباب فوق أرض الوطن، ما بين جريح ينزف دما، وما بين شهيد يسبح في دمائه، والشباب يهرعون إلى هذا الجريح وذاك، والصراخ يتعالى في سبيل إنقاذ الجرحى.
ركضت إلى التوك توك، وأسرعت به إلى مكان التظاهرات حيث صار نقل الجرحى وإنقاذهم شغلي الأول والأخير.
  ثلاثة أيام منذ اندلاع التظاهرات السلمية، والعنف ضد الجماهير يزداد شدة وضراوة، وعشرات الشهداء والجرحى يتساقطون، والتوك توك أصبح الإسعاف الأسرع لإنقاذ حياة المتظاهرين، وسط هذا الضجيج والعجيج ودخان القنابل سقطت قنبلة حارقة فوق سقف التوك توك؛ وسرعان ما اندلعت النيران، على الرغم من محاولاتي والمتواجدين من إخماد النيران فقد باءت بالفشل.
  وقفت أنظر كما وقف المتظاهرون، وأنا بحالة من الدهشة، انتابتني بعدها حالة من الضحك، لا أعرف ماذا أقول وماذا أفعل حيال وسيلة رزقي وعائلتي وهي تحترق أمامي وأنا عاجز عن إنقاذها.
  من بين الحشود خرجت فتاة جميلة وقفت أمامي، رفعت يديها نحو عنقها، فانتزعت قلادتها الذهبية ووضعتها بين يدي قائلة:
– (التوكتك فدوه ألك، أخذه واشتري توك توك، ولتعوف إنقاذ الشباب).
 
الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s